أحدث المواضيع

الإستيطان الإغريقى

بقلم : صالح سعد يونس - نشر فى : الخميس، 11 يناير 2018 | الخميس, يناير 11, 2018

عند منتصف القرن السابع قبل الميلاد اكتسحت جزيرة (( ثيرا )) اليونانية عاصفةٌ من الأزمات السياسية والإجتماعية وما ترتب على ذلك من تردى اقتصادى فضلاً عن كوارث القحط والجدب فكان الحل الأمثل فى نظر قادتها يتمثل فى التوسع خارج الحدود .
ويبدو أن اليونانيين الذين احترفوا التجارة وامتلكوا الأساطيل قد استطلعوا ليبيا ضمن تنقلاتهم وتعاملاتهم التجارية فأدهشهم ما تتمتع به من خصب وخضار لا سيما فى جزئها الشرقى .. لكن كان على اليونانيين أن يجدوا الأسطورة التى تبارك تحركهم باتجاه ليبيا .
زعموا أن (( جرينوس )) ملك ثيرا قصد عرافة دلفى ليسمع مشورتها فى أمور مملكته فنصحته بإنشاء مستوطنةٍ فى ليبيا قائلة له : (( إذهب إلى ليبيا ذات الزرع والضِّرع )) .
لكن الملك كان رجلاً هرماً فعهد إلى قائد حرسه (( باتوس )) مهمة إنشاء مستعمرة فى ليبيا إلا أن الأخير تقاعس عن الأمر فأنزل الإله (( أبوللو )) نقمته على ثيرا فازداد بها البلاء وعم الجدب والجفاف ونقص الطعام مما اضطر باتوس إلى الإسراع فى قيادة حملته متخذاً من أحد التجار اليونانيين الذين كانوا على علاقة تجارية مع الليبيين دليلاً له .
ونزلت الحملة بدايةً فى جزيرة (( بلاتيا )) إلى الشرق من قورينا ويرجح أن تكون (( خليج بمبا )) حيث أقاموا بها مدة عامين قبل أن ينتقلوا إلى (( أزيريس )) ذات المياه الجارية والأودية المتخمة بالنباتات والحيوانات والغابات الكثيفة .. والتى كانت تقطنها قبيلة (( الجيلجاماى )) فأقنعتهم بوجود مكان أفضل ليقيموا به وسار بهم رجالها تحت جنح الليل حتى لا يروا (( إيراسا )) أم الرزم .. ونزلوا بهم عند نبع (( قورا )) نبع أبوللو قائلين لهم : (( هذا المكان سماؤه مثقوبة ))[1] .
ومن الواضح أن الليبيين لم يبدو أى ضيق بادىء الأمر بمجىء الإغريق بل استقبلوهم استقبالاً حسنا ورحبوا بهم وذلك يعود لسببين :
-        الأول : قلة عدد الوافدين من اليونان .
-        الثانى : جهل الليبيين بالأهداف الحقيقية وراء مجىء الإغريق والمتمثل فى توسيع امبراطوريتهم وإنشاء مستعمرة لهم فى ليبيا .

وتعايش الليبيون مع الإغريق وتعاونوا معهم فى إنشاء مدينة (( قورينى )) شحات .. وهو ما يؤكده المؤرخ اليونانى (( هيرودوتس )) .
 كما يزعم المؤرخون أن قورينا تسمية إغريقية حيث يعتقد البعض بأن الإسم مشتق من كلمة كيرتوس التى تعنى المنحنى .. فيما يذهب آخرون إلى الإعتقاد بأنه نسبة إلى الحورية (( قورا )) التى قتلت الأسد .. بينما رجحت فرضيتان تبدوان أكثر قبولاً تشير أولاهما إلى أن الإسم مشتق من نبع قورا الذى سماه اليونانيين بنبع أبوللو مثلما يورد (( كليماخوس )) .. وأما الثانى فيقول بأنه مشتق من نبات قورا وهو نبات زنبقى ذا رائحةٍ زكية .[2]
ولعل من مظاهر الخصب ما يذكره هيرودوتس من أن برقة كانت تنتج ثلاثة مواسم من الغلال فى العام الواحد .. وهذا يعود إلى التنوع الجغرافى للمنطقة حيث يجنى السكان محاصيل المناطق الساحلية ثم محاصيل التلال ثم الجبال والمناطق الأكثر ارتفاعاً .
وتذكر روايات أخرى أن قورينا تعهدت إبان عصر المجاعة الكبرى 329 – 325 قبل الميلاد بإطعام أربعين مدينة يونانية .
وفى عهد الملك (( باتوس الثانى )) الذى لقب بالسعيد بدأت نظرة الليبيين تتغير تجاه الإغريق حيث عمل باتوس الثانى على توسيع نفوذه والسيطرة على الأراضى الخصبة .. وشجع هجرة اليونانيين إلى ليبيا فاشتعلت ضده الثورات .
وساءت الأمور فى عهد ابنه (( أركيسيلاوس الثانى )) الذى قام باحتكار تجارة الـ(( سلفيوم )) .
·      حرب السلفيوم :
إشتهرت برقة بإنتاجها لنبات السلفيوم دون غيرها من بقاع الأرض الأمر الذى منحها شهرة واسعة عبر الأمصار .. ودرت تجارة السلفيوم على السكان الليبيين أرباحاً كبيرةً .
والسلفيوم : نباتٌ ذو جذرٍ مستطيل وأوراقٍ متقابلة طولية الشكل متهدلة .. تنتهى ساقه القصيرة بتاج زهرى ينتج بذوراً مغلفة بغشاء رقيق .

أما استعمالاته فهى كثيرة جدا إذ يستخدم النبات كعلف للحيوان ويستعمل فى تتبيل الطعام وتستخرج منه عصارة ذات طعم طيب فضلاً عن فوائد طبية جمة .
ولهذه الأسباب اكتسب السلفيوم قدراً من الأهمية استحقت ضربه على العملة الإغريقية ونقش على قدح أركيسيلاوس الثانى الذى بدأ باحتكار تجارته .. وهو أمر لم يرق لليبيين فعمدوا إلى إحراقه وإبادته بواسطة الملح من أراضيهم .
وإثر ذلك نشبت الحرب بين الإغريق بقيادة أركيسيلاوس الثانى الملقب بالعنيد وبين السكان الليبيين الذين تحالفوا مع فراعنة مصر وطلبوا منهم العون فأمدوهم بالجيوش إلا أن الغلبة كانت للإغريق فانسحب الفراعنة إلى مصر وتراجع الليبيون إلى الغرب باتجاه برقة (( المرج )) .
واستمرت الحرب سجالاً بين أركيسيلاوس الثانى وبين القبائل الليبية نحو عشرٍ من السنين حاول خلالها عمداء قورينى وأثريائها من اليونانيين التخلص من ملكهم فدعموا المنشقين عنه .. لكنه نكل بهم وضيق عليهم الخناق فعمدوا إلى التحالف مع الليبيين واستطاعوا أن يلحقوا بالملك هزيمة ساحقة أدت إلى مقتله .
وبوفاة أركيسيلاوس الثانى انتقل الحكم إلى ابنه أركيسيلاوس الثالث الذى طُرد من قورينى صحبة أمه (( فريتيمى )) فحشد جيوشاً من المرتزقة هزم بهم خصومه .. غير أنه لم يف بوعده للمرتزقة فى منحهم أراضٍ وإقطاعيات فانقلبوا عليه .. ولما حاول الهرب لحقوا به وقتلوه خارج أسوار المدينة .
أما أمه فقد لجأت إلى الفرس الذين كانوا حينها يسيطرون على مصر .. وكان أركيسيلاوس الثالث قد أعلن ولائه للفرس وقبل بدفع الجزية لهم .. فاستجاب لها الملك (( أرياندس )) الذى عينه الإمبراطور (( قمبيز )) على مصر وحرك قواته لمحاصرة قورينا إلا أن حصارها طالت مدته ولم يأت بنتيجة .. فحفر حفرة عظيمة ثم دعا أهل قورينا إلى مؤتمر للصلح فلما خرجوا أمر بفتح الحفرة حتى سقطوا فيها ثم دخل بقواته إلى المدينة ودمرها .
·      يوسيبريديس (( برنيق )) :
هى مدينة بنغازى الحالية وقد كانت تسمى يوسيبريديس .. ينسب
تأسيسها إلى الملك أركيسيلاوس الرابع خلال القرن الرابع قبل
الميلاد وسماها برنيق نسبة إلى الملكة (( برنيكى )) حيث اهتم بتعميرها وترحيل الجاليات اليونانية من قورينا إليها .
واشتهرت الملكة برنيكى بأسطورة تقول إنها نذرت بقص وصلة ذهبية من شعرها تهديها لمعبد أفروديت أرسنوى إذا ما عاد زوجها منتصراً فى حربه ضد السلوقيين .. ووفت بنذرها حيث قامت بوضع خصلة من شعرها فى إناء من الفخار وأهدتها للمعبد .. لكن الخصلة اختفت فى اليوم التالى فأشار (( كونونيس )) الذى يبدو أنه كان كبير الكهنة بأن الخصلة ارتفعت إلى السماء وتحولت إلى مذنب يتلألأ .
واشتهرت مدينة برنيق بموقعها الإستراتيجى المتميز وبكونها أجمل المدن الواقعة غرب قورينى .. كما اشتهرت بحدائق الـ(( هيسبريديس )) الأسطورية والتى يغذيها نهر الليثى .. إضافة إلى كونها مركزا تجاريا مهماً ناهيك عن خصوبة تربتها .
والواقع أننا لا نعرف الكثير عن حدائق الهيسبريديس إلا من خلال ما أشار إليه بعض المؤرخين من أمثال الإدريسى وسترابون ولوكانوس أو من خلال ما ورد فى غنائيات الشعراء .
ويرجح أن خصوبة الأرض ووفرة المياه الدافقة عبر نهر الليثى هى من غذت هذه الحدائق والجنان حتى عصفت بها الرياح العاتية وأصابها الجفاف فدمرت وتلاشت .
وارتبطت حدائق الهيسيبريديس بأسطورة التفاحات الثلاث التى أهدتها الربة (( جى )) إلى الربة (( هيرا )) عندما اقترنت بـ(( زيوس )) وكلفت ثلاث حوريات لحراستها بمساعدة اللادون – الثعبان – وهو ما أعجز (( هيرقل )) عن الظفر بتلك التفاحات وقطفها .
وتذكر المصادر أن القبائل الليبية استمرت فى جهادها ضد الإغريق كما استمرت الثورات داخل قورينا ضد أركيسيلاوس الرابع فهرب منها إلى برنيق التى قتل فيها سنة 450 قبل الميلاد ليبدأ بمقتله العهد الجمهورى الذى استمر حتى عام 321 قبل الميلاد .. ثم أعقبه العهد البطلمى حتى سنة 96 قبل الميلاد حيث خضعت برنيق وبرقة بأكملها للرومان .
واتحدت المدن الإغريقية فيما عرف بالمدن الخمس (( البنتابوليس )) وهى (( أبولونيا )) سوسة و (( وقورينا )) شحات و (( برقة )) المرج و (( طوشيرا )) توكرة و (( برنيق )) بنغازى .
واستغلت القبائل الليبية حادثة مقتل أركيسيلاوس الرابع فهبت لمحاصرة برنيق .. غير أن الأسطول الإغريقى الذى كان متجهاً إلى (( سراقوسة )) غير طريقه وتمكن من فك الحصار عن المدينة .
وفى الوقت الذى كان فيه الإغريق يطمحون للسيطرة على أراضٍ جديدةٍ وتوسيع امبراطوريتهم فى ليبيا كان القرطاجيون فى الغرب يعملون على استمالة القبائل الليبية لمساندتهم فى حربهم ضد الإغريق .. واستعمل القرطاجيون ذكائهم فعقدوا تحالفاً مع الرومان لضمان حماية مراكزهم التجارية من خطر الرومان الذين كانوا يطمحون كذلك لإيجاد موضع قدم لهم فى ليبيا .
وعندما تولى (( الإسكندر المقدونى )) عرش الإمبراطورية عمل على تحقيق نظرية أستاذه (( أرسطو )) فى توحيد العالم تحت لواء الإمبراطورية اليونانية فاجتاح قارة آسيا حتى وصل منها إلى مصر التى أسس بها مدينة الإسكندرية لتكون مركزاً ينطلق منه لاستكمال فتوحاته غرباً .. لكنه توفى فانهار الحلم بتقاسم قادة جيشه للإمبراطورية فيما بينهم .
وخلال كل هذه الأحداث ظلت القبائل الليبية وتاصل شن هجماتها لتفتيت المدن الإغريقية والقضاء عليها فى برقة التى خضعت مع مصر لحكم (( بطليموس الأول )) .
وتنازع البطالمة الحكم فيما بينهم وعملوا على استغلال القبائل الليبية فى صراعاتهم الداخلية على الحكم حيث نجحت (( أرسينوى )) زوجة بطليموس الثانى فى تحريض القبائل الليبية على مهاجمة قوات نائب الملك والذى حاول أن يستقل بقورينا سنة 274 قبل الميلاد .


كما لعب الليبيون دوراً بارزاً فى انتصار البطالمة على السلوقيين فى معركة رفح سنة 217 قبل الميلاد بفضل فرقة الفرسان الليبية .
وخلال ذلك عمل الرومان الطامحين فى استعمار ليبيا على تغذية الصراعات بين الحكام البطالمة حيث استغلوا تنازع بطليموس السادس مع أخيه الأصغر بطليموس أبيون سنة 86 قبل الميلاد وقاموا بمساندة الأخير فأوصى لهم ببرقة يرثونها بعد وفاته .




[1] أمطاره غزيرة لا تنقطع .

[2] تنطبق أوصاف هذا النبات على زهرة الياسمين البرى الذى نعرفه اليوم والذى ينمو فى فصل الشتاء بمناطق الجبل الأخضر .


--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | |
---------------------------------------------------------------------------

عذب الألحان لـ - إينسامر هيرت

بقلم : صالح سعد يونس - نشر فى : الأربعاء، 10 يناير 2018 | الأربعاء, يناير 10, 2018


--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | | .
---------------------------------------------------------------------------

قذائف

القذائف تتساقط فوق المخيم واحدةٍ تليها الأخرى .. النيران تثب وتتصاعد .. تركض وتقضم الألواح ومواسير البلاستيك والفرش والأغطية .
أسلاك الكهرباء تقطعت ولامست الأسقف الصفيحية وبرك المياه .. والناس المذعورون يتراكضون ويتساقطون .. من لم تقتله القذائف أحرقته النيران .. ومن نجا من النيران سقط فى البرك المكهربة ! .

وحده الطفل الأسمر الذى ترك صورته نائمة فوق جدار الغرفة الأخيرة فى بيته العيد جداً .. ينام بعمق وفوق خده تستقر دمعةٌ صغيرة .. يمتص إبهامه الصغير ويقبض بيسراه على كسرةٍ من الخبز البائت .. غير مدرك للموت المحشو فى قذيفة هاون تنطلق صوبه من مدفع بعيد .
البيضاء ليبيا
2016.4.16


--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | |
---------------------------------------------------------------------------

جدران

الصبى الذى كان قبل سويعاتٍ يشعر بالملل يصرخ الآن منتشياً بإنجازه .. يتحسس قبعته المقلوبة فوق رأسه ويفرغ فى جوفه علبة شراب الزبادى .

الجدران تنهار جداراً إثر جدار .. حجراً فوق حجر .. بينما النيران المتصاعدة تمتد إلى الغرفة الأخيرة من البيت الواقف فى زاوية الشارع .
لا شىء يسمع سوى أصوات القذائف وأزيز رصاص الرشاشات .. أعمدة الدخان تتصاعد فى كل شارع من بقايا البيوت المهدمة .
وحدها صورة الطفل الأسمر المعلقة فوق السرير الصغير على جدار الغرفة الأخيرة تلتصق بثباتٍ فيما ألسنة اللهب تقضم بنهمٍ أعمدة السرير .
البيضاء ليبيا

2016.4.13

--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | | .
---------------------------------------------------------------------------

على ألحان الفنان محمد حسن - التشكيلى جمال بدوان يبدع ويبهر الحاضرين

بقلم : صالح سعد يونس - نشر فى : الثلاثاء، 2 يناير 2018 | الثلاثاء, يناير 02, 2018




--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | |
---------------------------------------------------------------------------

روائع العود للموسيقار - فريد الأطرش



--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | |
---------------------------------------------------------------------------

مختارات من قناتى

مختارات من أقوالهم

مختارات من أقوالهم

تبادل إعلانى


تبادل إعلانى نصى

خريطة الموقع


 


     
    Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
    copyright © 2011. تباريح العشــق والوجــــع - All Rights Reserved
    تعريب وتطوير : صالح سعد يونس | تباريح العشق والوجع