الرئيسية » , , » مظاهر الحياة والحضارة الليبية القديمة

مظاهر الحياة والحضارة الليبية القديمة

بقلم : صالح سعد يونس - نشر فى : الخميس، 27 نوفمبر 2014 | الخميس, نوفمبر 27, 2014

بصورة رئيسية تمثلت مظاهر الحياة العامة فى الإستقرار ومعرفة الزراعة واستئناس الحيوان واكتشاف النار .. ثم بعد ذلك التطور الذى وصل إلى ممارسة التجارة والتى كان لها دور كبير فى تكون المدن وازدهار المراكز التجارية كما فى جرمة وغدامس .. أضف إلى ذلك التنظيم الإجتماعى القبلى أو فى شكل جماعات معينة .
والواقع أننا نستمد معلوماتنا عن ليبيا فى تلك الحقبة من مصدرين لا ثالث لهما:
-      الأول : المصادر المصرية متمثلة فى الرسومات والنقوش والكتابات التي هى مثار شك كبير كونها تخلد انتصارات لفراعنة مصر على القبائل والجماعات الليبية التي تظهر عادة فى صورة قبائل غازية ومجموعات من اللصوص وقطاع الطرق دائماً ما تندحر أمام تفوق الدولة المصرية المنظمة .
-      أما المصدر الثانى : فيتمثل فى المصادر اليونانية والرومانية التي هى أيضاً مثار شك لتجنيها على التاريخ الليبي .. فهى بالمجمل لا تتجاوز كونها تمثل وجهات نظر لم تكن محايدة .
غير أن الحفريات التي كشفت عن آثار ومعدات وأدوات متطورة جداً كفيلة بأن تغير الإعتقاد حول الحضارة الليبية فهذه الأرض وفقاً لهذه المعطيات شهدت حضارات عظيمة سبقت فى كثير من الجوانب حضارات أخرى .
وأذا ما نظرنا مثلاً إلى اللوحات المصرية التي تخلد انتصارات الفراعنة على الليبيين بعين مختلفة نجدها تصور الليبيين بأزياء وحلى ومعدات مدهشة تدل على ما وصل إليه الليبيون من تطور ورقى .. فضلاً عن لوحات ونصوص أخرى تصور غنائم الفراعنة من القبائل الليبية أو ما كانت تلك القبائل تقدمه للفراعنة كهدايا مكونة من ذهب وفضة وكؤوس وسيوف وعربات تجرها الثيران .. كذلك الخيول وقطعان المواشى المختلفة والتى تدل على أن الليبيين كانوا على درجة من الثراء والتفوق وأنهم لم يقصدوا مصر كغزاة بل طلباً للكلأ والماء فى فترات ابتليت فيها أرضهم بالجفاف والقحط .
ويمكننا تفصيل مظاهر الحياة والحضارة الليبية على النحو التالى :

·      النظام والتنظيم الإجتماعى :  
ويتمثل فى النظام القبلى حيث كان لكل قبيلة رئيس يرعى شؤونها .. ومن هؤلاء الرؤساء يتم اختيار رئيس أعلى لزعامة القبائل مثل (( مريى )) زعيم قبيلة الليبو والذى أصبح رئيساً أكبر للقبائل .
وفى العادة فإن الرئيس يكون على قدر كبير من القوة والثراء ويتميز عن العامة
بلباسه الفاخر والتزين بريش النعام .. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التزين بالريش أيضاً درجات فرؤساء القبائل الكبرى القوية كانوا يزينون رؤوسهم بريشتين فيما الرؤساء الأقل شأناً تزينوا بريشة واحدة .. وعلى مدى عصور اعتبرت الريشة رمزاً من رموز السيادة والزعامة .
·      المعدات والمقتنيات :
-      الأزياء ... عرف الليبيون اللباس والحلى وتميزوا بأزيائهم الخاصة والخالصة فقبيلة التحنو مثلاً عرف أفرادها بالأزياء ذات الشرائط الجلدية وقراب العورة .. بينما عرف التمحو بالعباءة الفضفاضة المزخرفة من الجلد والمثبت فى ذيلها شريط مخطط .. أما المشواش فكان كل من الرجال والنساء يرتدون تحت ثيابهم قراب العورة .
-      أدوات الزينة ... تمثلت أهم أدوات الزينة بالنسبة للرجال فى الريش الذى اعتبر دلالة على الزعامة .. بينما تحلت النساء بالأساور والحلق والعقود والخلاخيل الجلدية والبرونزية .
واهتم الليبيون عموماً بتصفيف الشعر وبتحديد اللحية التي تنتهى بطرف مدبب .. كما تزينوا بالأوشام التى استعملت لدلالات دينية .
- المقتنيات ... عرف الليبيون الأوانى والمعدات التي تطورت على مراحل من الحجارة إلى الفخار والخشب والمعادن .. ومن المرجح أنهم كانوا يستوردون كثيراً منها من وراء البحار بفعل احترافهم للتجارة .. ومن تلك المعدات السكاكين النحاسية والكؤوس الفضية والكراسى التي اتخذها زعماء القبائل كعروش يجلسون عليها قبل أن تدخل بعد ذلك إلى البيوت .. فقد عثر على صورة فى مدينة غدامس تمثل امرأة ليبية جالسة على كرسى وهى تضع قدميها على مسند للأقدام .. كما عرفوا الرحى الحجرية التي استعملت لطحن الحبوب.

-      المعدات القتالية ... عرف الليبيون أنماطاً كثيرة من الأسلحة منها البلط والخناجر والأقواس .. بعض هذه الأدوات كانت على درجة كبيرة من التطور بحيث أدهشت المصريين مثل السكاكين النحاسية والشفرات والسيوف البرونزية التي أثارت إعجاب الملك (( مرنبتاح )) فحرص على جمعها واقتنائها من حروبه ضد القبائل الليبية .. وكانت هذه السيوف تمتاز بطولها وصلابتها .. كما عرف الليبيون العربات التي تجرها الثيران .
-      المساكن ... لم يكن الليبيون فى البداية يفضلون بناء المساكن بل كانوا يسكنون الكهوف الطبيعية والمنحوتة ربما لما كانت تقدمه لهم من حماية ضد الحيوانات والوحوش .. ثم تطور الأمر إلى المساكن المصنوعة من سيقان النباتات .. ثم من الحجارة والطين .. وعرفوا الآبار وقنوات المياه وخزانات حفظ مياه الأمطار والحدائق أيضاً .
وفى فترات متفاوتة ابتكر الإنسان الليبي أدوات لتطويع الكهوف المعلقة وتحويلها إلى مساكن ملائمة .. والمرجح أن الليبيين قد لجؤوا إلى هذه الكهوف أثناء الأزمات الشديدة كالحروب والهروب من الأوبئة ونحوها .. هذه الأوشاز تعد من أكثر الآثار غرابة وإثارة للدهشة والإعجاب فهى ملاجىء خطرة لوجودها فى اماكن جبلية زلقة شديدة الإنحدار .. وقد شيدت لهذه الكهوف واجهات جدارية أو خشبية للحماية .. وتنتشر هذه الكهوف على وجه خاص فى الجزء الشرقى من ليبيا وهى تدل على مدى عبقرية الإنسان الليبي حيث عثر بداخلها على غرف للنوم وأخرى للطبخ .. كما عثر بها على مساطب ومخازن وأبواب ومسارب سرية .. إضافة إلى أحواض للغسيل ومساطب للإستحمام .. وقد استغلت هذه الكهوف فى فترات السلم والرخاء لتكون مخازن للحبوب أو اتخذوها كمناحل .
·      الفنون :
عرف الليبيون الآلات الموسيقية والتى من أهمها الطبلة التي لا تزال تستعمل بنفس النمط القديم حتى أيامنا هذه .. كما عرفوا المزمار الذى كان بأنبوبة واحدة ثم تطور إلى المزمار المزدوج .. هذا بالإضافة إلى مظاهر الغناء والرقص الجماعى والتى من أشهرها رقصة الكسكا التي تمارس بالعصى والنابعة من بيئة ليبية خالصة .
·      اللغة :
الحقيقة المهمة التي يمكن استخلاصها تتمثل فى وجود لغة للتخاطب والتفاهم
فيما بين الليبيين بدليل وجود أسماء ليبية خالصة لمناطق وأشخاص وآلهة
وحيوانات ونباتات اكتسبت مسمياتها من البيئة الليبية نفسها .. لكن تلك اللغة لم تتعد هذا الحد ولم تتحول إلى لغة مكتوبة يمكن استغلالها فى تدوين التاريخ الليبي .. فلم يعثر ضمن ما تم اكتشافه على أية نصوص مكتوبة بلغة ليبية .. وهذا الأمر هو ما أدى إلى اعتماد الباحثين على مصادر أخرى غير محايدة تماماً كما سبق وأسلفنا متمثلة فى المصادر المصرية الفرعونية والمصادر اليونانية والرومانية .
·      الديانة :
الليبيون شعب بدوى بطبيعته .. لذلك فقد عرفوا عبادة الظواهر الطبيعية بالدرجة الأولى .. ويذكر هيرودوتس أن الليبيين كانوا يقدمون القرابين للشمس والقمر حيث كانوا يعتبرونها منازل للأرواح .
وتذكر المصادر المصرية بعض الآلهة التي عبدها سكان ليبيا منها الإله (( آش )) والربة (( تانّيت )) آلهة الخصب عند الليبيين والتى رسموا شعارها كوشم وسمت به أجسادهم .. والجدير ذكره أن هذه الربة عُبدت كذلك فى غرب الدلتا بمصر وعبدها الفينيقيون كذلك .
كذلك عبد الليبيون إله البحر (( بو زايدون )) الذى أخذه عنهم المصريون .. وعبدوا الثور (( جيزيل )) الذى يؤكده هيرودوتس عندما ذكر أن نساء قورينا كن لا يأكلن لحم البقر ويعتبرن ذلك إثماً عظيماً .. كما عبدوا (( زيوس آمون )) الذى كان له معبد فى أوجلة .
·      الحرف :

- الصيد ... شكل الصيد أولى الحرف التي مارسها الليبيون والمصدر الأساس لقوتهم .. فليبيا فى عصور خلت كانت تعد معرضاً متنوعاً يجمع مختلف أنواع الحيوانات التي تقتات على مساحات شاسعة من المراعى المتخمة بالخيرات نذكر منها النمور والثيران والأيائل والنعام والحمير والضباع والثعالب والثعابين وحيوانات كثيرة أخرى يبدو أنها انقرضت ظهرت فى عدد من النقوش والرسوم .. وابتكر الليبيون أدوات متعددة للصيد وطوروها بشكل مثير للإعجاب . 

-      الرعى ... أدى اكتشاف النار واستئناس الحيوانات إلى معرفة سكان ليبيا للرعى وممارسته كحرفة أساسية .. وتشير المصادر المصرية إلى حيوانات كان المصريون يستوردونها من برقة أوقات السلم ويغنمونها منهم أوقات الحرب .. كما تظهر نقوش أخرى صوراً لعربات تجرها الثيران كان الليبيون يستعملونها بكثرة .. وأخرى تظهر أغناماً وكباشاً وثيراناً وحميراً غنمها الفراعنة من القبائل الليبية .
-      الزراعة ... إحترف الليبيون الزراعة نظراً لخصوبة التربة وتوفر المياه فى مناطق كثيرة نذكر منها زراعة النخيل والزيتون والحبوب والبقوليات .. وكان لنبات السلفيوم شأن كبير فى الحياة الإقتصادية لاستخدامه فى أغراض شتى .. وتفيد المصادر المصرية أن الملك مرنبتاح  بعد انتصاره على الليبيين نهب الحبوب من مخازنهم .. كما تشير المصادر اليونانية إلى أن المحاصيل فى برقة كانت تجنى طوال العام وعلى مواسم ثلاثة .
-      التجارة ... أتاح الموقع الجغرافى لليبيا وامتلاكها لشاطىء بحرى طويل وسيطرتها على طرق التجارة البحرية منها والبرية تكوين مراكز تجارية وموانىء على طول الساحل الليبي .. لذلك حرص اليونانيون على الإستيلاء على الآراضى الزراعية الليبية كما سعى القرطاجيون إلى تأسيس المراكز التجارية على طول السواحل لا سيما فى سرت .
وقد راجت تجارة التمور التي كانت تجنى من الواحات ومن بساتين طرابلس .. ومن ثم تجمع وتصدر عبر الموانىء .. إضافة إلى منتجات أخرى كانت تجلب من الدواخل ومن دول إفريقيا ليتم تصديرها إلى مصر وإلى بلاد اليونان وإيطاليا وجنوب أوروبا .. ولعل أهم تلك المنتجات بالإضافة إلى التمور تمثلت فى الزيوت والجلود والصوف والريش والأخشاب والملح والحبوب والصمغ .
وتروى المصادر المصرية أن الملكة (( حتشبسوت )) حصلت من قبيلة التحنو على 700 سن فيل كان الليبيون يجلبونها من تشاد والسودان .. كما استولى الملك

 مرنبتاح على اوان وكؤوس من الفضة وسيوف من البرونز كان الليبيون يستوردونها من وراء البحر .  
--------------------------------------------------------------------------

صالح سعد يونس
كاتب وباحث وإعلامى
مؤسس الموقع
| يمكنك متابعتي على: | | | | .
---------------------------------------------------------------------------
تقييم مظاهر الحياة والحضارة الليبية القديمة أضف تقييمك لـ مظاهر الحياة والحضارة الليبية القديمة :

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. تباريح العشــق والوجــــع - All Rights Reserved
تعريب وتطوير : صالح سعد يونس | تباريح العشق والوجع